أحمد بن محمد القسطلاني

268

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

المهملة ، أي : توجهوا إليها . واستنبط منه : أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها لأن فيه إشعار بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها ، وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها أو إلى إخلاء بعض الوقت من الصلاة . نعم ، يستحب لها الجماعة . وفي قوله : ثم سجد سجودًا طويلاً ، الرد على من زعم أنه يسن تطويل السجود في الكسوف : ويأتي البحث فيه حيث ذكره المؤلّف في باب مفرد . 6 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ » قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( باب قول النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يخوف الله عباده بالكسوف قاله أبو موسى ) كذا للأربعة ، ولغيرهم : وقال أبو موسى ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فيما وصله المؤلّف ، بعد ثمانية أبواب . 1048 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ » . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ : « يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ » . وَتَابَعَهُ أشعثُ عن الحسنِ . وَتَابَعَهُ مُوسَى عَنْ مُبَارَكٍ عَنِ الْحَسَنِ . قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ » . وبه قال ( حدّثنا قتيبة بن سعيد ) أبو رجاء الثقفي البغلاني ، وسقط : ابن سعيد ، لأبي ذر في نسخة ، ولأبي الوقت ، وابن عساكر ، والأصيلي : ( قال : حدّثنا حماد بن زيد ) بن درهم الأزدي الجهضمي البصري ( عن يونس ) بن عبيد ( عن الحسن ) البصري ( عن أبي بكرة ) نفيع بن الحرث ، رضي الله عنه ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لما كسفت الشمس ، وقالوا : إنما كسفت لموت إبراهيم : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ) أي : كسوفهما ، لأن التخويف إنما هو بخسوفهما ، لا بذاتهما ، وإن كان كل شيء من خلقه آية من آياته . ولذا قال الشافعي ، فيما رأيته في سنن البيهقي ، في قوله : { وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } [ فصلت : 37 ] الآية وقوله : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } [ البقرة : 164 ] مع ما ذكر الله من الآيات في كتابه ، ذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلا مع الشمس والقمر ، فأمر بأن لا يسجد لهما . وأمر بأن يسجد له ، فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشمس والقمر . واحتمل أن يكون إنما نهى عن السجود لهما ، كما نهى عن عبادة ما سواه ، فدلّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على : أن يصلّى لله عند كسوفهما ، ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات غيرهما . . اه - . ( لا ينكسفان لموت أحد ) إذ هما خلقان مسخران ، ليس لهما سلطان في غيرهما ، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما ، وزاد أبو ذر هنا : ولا لحياته . بلام قبل الحاء ، وله في أخرى : ولا حياته بحذفها ( ولكن الله تعالى يخوف بها ) أي بالكسفة ، وللأصيلي ، وابن عساكر : بهما ( عباده ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : ولكن يخوف الله بهما عباده . ولأبي ذر عن الكشميهني : ولكن الله يخوّف بها عباده . فالكسوف من آياته تعالى المخوّفة . أما إنه آية من آيات الله فلأن الخلق عاجزون عن ذلك ، وأما إنه من الآيات المخوفة فلأن تبديل النور بالظلمة تخويف ، والله تعالى إنما يخوف عباده ليتركوا المعاصي ، ويرجعوا لطاعته التي بها فوزهم ، وأفضل الطاعات بعد الإيمان الصلاة . وفيه رد على أهل الهيئة حيث قالوا : إن الكسوف أمر عادي لا تأخير فيه ولا تقديم . لأنه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويف ولا فزع ، ولم يكن للأمر بالصلاة والصدقة معنى : ولئن سلمنا ذلك ، فالتخويف باعتبار أنه يذكر القيامة لكونه إنموذخًا قال الله تعالى : { فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ } [ القيامة : 7 - 8 ] . . . ومن ثم ، قام عليه الصلاة والسلام فزعًا ، فخشي أن تكون الساعة ، كما في رواية أخرى . وكان عليه الصلاة والسلام إذا اشتد هبوب الرياح تغير ودخل وخرج خشية أن تكون كريح عاد ، وإن كان هبوب الرياح أمرًا عاديًا . وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك إذ كل ما في العالم ، علوية وسفليه ، دليل على نفوذ قدرة الله تعالى ، وتمام قهره . فإن قلت : التخويف عبارة عن إحداث الخوف بسبب ، ثم قد يقع الخوف وقد لا يقع ، وحينئذ يلزم الخلف في الوعيد . فالجواب كما في المصابيح : المنع ، لأن الخلف وضده من عوارض الأقوال ، وأما الأفعال ، فلا . إنما هي من جنس المعاريض ، والصحيح عندنا فيما يتميز به الواجب ، أنه التخويف ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة . فإن قيل : الوعيد لفظ فكيف يخلص من الخلف ؟ . فالجواب : أن لفظ الوعيد عام أريد به الخصوص ، غير أن كل واحد يقول : لعلي داخل في العموم ، فيحصل له التخويف ، فيحصل الخوف وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم ، ولكن أراد تخويفه بإيراد العموم ، وستر العاقبة عنه في بيان أنه